محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء

26

الظرف والظرفاء

مقدرات البلاد المالية ، وفي قدرة قادة الجيش على تنصيب الخلفاء وعزلهم وبوجه خاص بعد مقتل المتوكل 247 ه . ولمقاومة هذه السيطرة العسكرية لجأ الخلفاء إلى استرضاء العامة منذ خلافة المتوكل . لقد لمس هؤلاء التغير الذي طرأ على موازين القوى في الرأي العام وبات فيه الحنابلة سادة الموقف الشعبي . وقد اتخذوا موقفا متشددا تجاه بعض مظاهر الحرية في المجتمع ، واعلنوا دعمهم لخلافة قوية ، مما جعل بعض الخلفاء يتظاهرون بمحاربة الغناء والجواري . إلا أن الأوضاع استمرت في تدهورها ، وبخاصة في الثلث الأخير من القرن الثالث للهجرة . فقامت بعض الدعوات السياسية المناهضة للعباسيين بالاستيلاء على بعض مناطق المشرق ، وقام الفاطميون بالاستيلاء على المغرب ثم مصر . وما إن أهلّ القرن الرابع حتى كانت موارد الخلافة قد نضبت ، وبدأت أزمة مالية خانقة لم ينجح المسؤولون في معالجتها ، اعقبها استفحال أمر الغلاء وتدهور قيمة النقد ، ثم توالي الانتفاضات ضد الغلاء ، حتى أنه يمكننا وصف فترة حكم المقتدر 295 - 320 ه بأنها فترة حروب داخلية مستمرة . ويعكس الصابي في ( كتاب الوزراء ) صورة الصراع داخل المجتمع العباسي وداخل أهل الحكم أنفسهم بعد افتقار الخزينة . وبين مظاهر تهاوي السلطة ظهر نفوذ النساء في الحكم . والمثل الصارخ على هذا النفوذ هو ( شغب ) أم المقتدر التي كانت تعرف بالسيدة . وتتحدث المصادر عن اسرافها واسراف ابنها الخليفة واقبالهما على اتلاف الثروة . وبين أسباب العجز المالي بالإضافة إلى شح الواردات من الولايات نتيجة استيلاء القادة المحليين على مداخيل ولاياتهم ، يبدو إقبال القصر على شراء الجواري . ويتحدث التنوخي في نشوار المحاضرة عن المبالغ التي أهدرت في هذا المجال . وفي هذا العصر ازدهرت الحانات ، وتحول نشاط العيارين إلى هذا الحقل باعتباره موردا من الموارد الاقتصادية . في هذه البيئة ظهر كتاب الظرف والظرفاء . كان الوشاء لغويا من مدرسة بغداد لا نعرف تاريخ ولادته ، ولكنه توفي 325 / 936 . دخل القصر ليعمل فيه ، فقد ذكر أنه روت عنه منية جارية أم ولد